تفسير الاحلام بالقرآن والسنة للشيخ علي خليل عباس السلجوقي التركماني
التَّفسيرُ بِالْقَرائِنِ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤى للشيخ علي خليل عباس السلجوقي التركماني
📖 الدَّرسُ: التَّفسيرُ بِالْقَرائِنِ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤى
المُقَدِّمَةُ
التَّفسيرُ على طَريقتِنا وبِضَوابِطِنا مَناطُهُ تَوجِيهُ الأساسِيَّاتِ بِقَرائِنَ.
والقَرائِنُ هي الَّتي تُوَجِّهُ، وقد سَمَّيتُها في بَحثي سابِقًا بِالْوَجْهَةِ أو الْوَجْهَاتِ.
وبِما أنَّ اعْتِمادَنا على الْكِتابِ والسُّنَّةِ في التَّأْوِيلِ، لذلك نَتعامَلُ مع الْمَنامِ كأنَّهُ نَصٌّ شَرعِيٌّ يَخضَعُ لِلتَّحقيقِ والْمَناطِ.
مَفْهومٌ مُجْمَلٌ لِلْقَرِينَةِ
هِيَ: أَمَارَاتٌ أو عَلاماتٌ تُثْبِتُ أَمْرًا أو تَنْفِي أَمْرًا.
وهذا التَّعْريفُ مِنِّي، لِأَنَّ الْقَرِينَةَ لَها عِدَّةُ تَعَارِيفَ، وفي عَصْرِنا هُناكَ الْقَرِينَةُ الْقَانونِيَّةُ مَثَلاً، وَالشَّرعِيَّةُ، وَوَغَيْرُها.
والقَرِينَةُ كَلِمَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ، يَعني حَبْلٌ مُرْتَبِطٌ بِآخَرَ، وَمِثَالًا نُسَمِّي عَقْدَ النِّكَاحِ عُقْدَ الْقِرَانِ.
وَقْتَها اسْتَنْبَطْتُ هذِهِ الْجُزْئِيَّةَ مِن كِتابِ ابْنِ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: الطُّرُقُ الْحُكْمِيَّةُ وَالْحُكْمُ بِالْقَرائِنِ.
وحِينَ اسْتَعْمَلْتُ هذا في تَفْسِيرِ الرُّؤى وَجَدْتُ أنَّهُ مِنَ الْمُهِمِّ تَنويعُ الْقَرائِنِ مَعَ الاحْتِفاظِ بِمَفْهومِ الْقَرِينَةِ الْعامِّ، لِذلِكَ صَنَّفْتُ الْقَرِينَةَ إِلى صِنْفَيْنِ:
1. الْقَرِينَةُ التَّامَّةُ.
2. الْقَرِينَةُ النَّاقِصَةُ.
والَّذي وَجَدْتُهُ مِن خِلالِ سَنَواتِ تَفْسِيرٍ وَفْقَ ضَوابِطِنا: أَنَّ التَّفاصِيلَ الَّتي تَرْتَبِطُ بِقَرِينَةٍ تَامَّةٍ، هِيَ أُمورٌ تَتَحَقَّقُ وَتُحْدِثُ تَغْيِيرًا دائِمًا وتامًّا في حَياةِ الرَّائِي، بِخِلافِ الْقَرِينَةِ النَّاقِصَةِ الَّتي غالِبًا تُحْدِثُ تَغْيِيرًا آنِيًّا وَوَقْتِيًّا وَغَيْرَ شامِلٍ.
ومِنَ الْقَرائِنِ أَيْضًا اسْتَنْبَطْتُ الرَّمْزَ الْمَخْفِيَّ، الَّذي في الغالِبِ يَدُلُّ على حَوادِثَ حَصَلَتْ في حَياةِ الرَّائِي.
أَدِلَّةُ الْحُكْمِ بِالْقَرائِنِ
مِثَالٌ: قَضِيَّةُ حُكِمَ بِها عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ شَهِدَ رَجُلانِ على رَجُلٍ بِأَنَّهُ شَرِبَ خَمْرًا.
قال: هَلْ رَأَيْتُمُوهُ يَشْرَبُها؟
قالا: لا، لَكِنْ رَأَيْناهُ يَتَقَيَّؤُها.
فقال: ما تَقَيَّأَها إِلَّا لِأَنَّهُ شَرِبَها.
وكذلك ما وَرَدَ في قِصَّةِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ في خَيْبَرَ: لَمَّا غَيَّبَ الْمَسْكَ الْمَمْلوءَ مالًا وحُلِيًّا. فاسْتَدَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقَرِينَةِ: "الْعَهْدُ قَرِيبٌ وَالْمَالُ كَثِيرٌ"، حَتّى وُجِدَ الْمَسْكُ وَقُتِلَ بِالنَّكْثِ.
فالأَدِلَّةُ على الْحُكْمِ بِالْقَرائِنِ كَثِيرَةٌ.
التَّطْبِيقُ في تَفْسِيرِ الرُّؤى
لِذلِكَ في الْمَنامِ نَنْتَبِهُ لِلْقَرائِنِ.
مَثَلًا: شَخْصٌ رَأى أَنَّهُ جالِسٌ مُرْتاحٌ على كُرْسِيٍّ واضِعًا رِجْلًا على رِجْلٍ، يَرْتَدِي بَدْلَةَ خُرُوجٍ.
القَرائِنُ: كُرْسِيٌّ = راحَة. بَدْلَةُ خُرُوجٍ = سَعْيٌ مُسْتَمِرٌّ.
المَعْنَى: كانَ يَمْشِي وَيَسْعَى في أَمْرٍ وَتَعِبَ، ثُمَّ ارْتاحَ، لَكِنَّهُ ما زالَ لابِسًا لِثَوْبِ الْخُرُوجِ، أيْ سَيُعاوِدُ السَّعْيَ.
هُنا قَرِينَةٌ ناقِصَةٌ غَيْرُ تامَّةٍ.
أَمَّا لَوْ رَأى نَفْسَهُ مُرْتَدِيًا مَلابِسَ النَّوْمِ وَمَمْدُودًا على السَّرِيرِ، وكانَ مُرْتاحًا أو عِندَهُ نُعاسٌ:
فَهُنا زَوالٌ تامٌّ لِسَعْيِهِ وَتَحَقُّقٌ كامِلٌ لِلأَمْرِ الَّذي يَسْعَى لَهُ.
مَكانَةُ عِلْمِ تَفْسِيرِ الرُّؤى
تَفْسِيرُ الرُّؤى عِلْمٌ جَلِيلٌ، يَحْتاجُ فِطْنَةً وَذَكاءً وَعِلْمًا.
هُوَ أَصْعَبُ مِن عِلْمِ الْفِقْهِ وَعِلْمِ الأُصُولِ (مَعَ الْقَصْدِ إِلى التَّفْسِيرِ بِضَوابِطٍ كَضَوابِطِنا).
تعليقات
إرسال تعليق