تفسير الاحلام بالقرآن والسنة
تَأْوِيلُ النُّقُودِ أَوِ الْمَالِ فِي الْمَنَامِ 🪙💸
الشَّيْخُ عَلِيُّ خَلِيلٍ عباس السَّلْجُوقِيِّ التُّرْكُمَانِيِّ
الرَّكِيزَةُ الْأَسَاسِيَّةُ الَّتِي يَسْتَنِدُ عَلَيْهَا مُفَسِّرُ الرُّؤَى فِي تَفْسِيرِهِ هِيَ قَاعِدَةُ الِاسْتِصْحَابِ... بِتَعْبِيرٍ آخَرَ الْأَصْلُ وَالِاسْتِثْنَاءُ... هَذِهِ الْقَاعِدَةُ بِمَثَابَةِ الْبَذْرَةِ الَّتِي تُزْرَعُ فِي الْأَرْضِ وَتَنْمُو وَتَكُونُ شَجَرَةً بِمَوَاصِفَاتٍ وَنَوْعٍ مَوْجُودَةٍ أَسَاسًا فِي الْبَذْرَةِ... مِثْلَ الْجِينَاتِ.... وَمِنْهَا يَتَفَرَّعُ التَّفْسِيرُ أَيْ مِنْ الْقَاعِدَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَحَسَبَ تَفَاصِيلَ مُنَضَّبَةٍ بِقَوَاعِدَ أُخْرَى وَبِمُسْتَنَدَاتٍ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ... وَاتْقَانُ تَطْبِيقِ الْقَوَاعِدِ الْمِائَةِ فِي تَفْسِيرِ الرُّؤَى هُوَ التَّفْسِيرُ الْمُفَصَّلُ... وَهَذَا أَمْرٌ يَحْتَاجُ إِلَى جُهْدٍ كَبِيرٍ وَلَيْسَ فِي وُسْعِ أَيِّ أَحَدٍ أَنْ يُتْقِنَهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عَلَى دِرَايَةٍ جَيِّدَةٍ بِالْقُرْآنِ وَعُلُومِهِ وَالسُّنَّةِ وَشُرُوحَاتِهَا وَالْفِقْهِ وَأُصُولِهِ وَقَوَاعِدِهِ... كُلُّ التَّفَاسِيرِ لِلرُّؤَى أَوْ أَغْلَبِهَا ضِمْنَ التَّفْسِيرِ الْمُجْمَلِ فِي الْمَجْمُوعَةِ إِلَّا نَادِرًا قَدْ تُفَسَّرُ رُؤْيَا بِشَيْءٍ وَجُزْءٍ مِنْ التَّفْصِيلِ.... الْآنَ سَنُدْرُسُ تَفْسِيرَ النُّقُودِ فِي الْمَنَامِ وَسَأَتَطَرَّقُ إِلَى جُزْءٍ مِنْ التَّفْسِيرِ الْمُفَصَّلِ وَهُوَ ضِمْنَ عُمُومَاتِهِ...
الْأَصْلُ فِي تَفْسِيرِ النُّقُودِ فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَسَنٍ وَالْأَدِلَّةُ كَثِيرَةٌ عَلَى هَذَا سَنَذْكُرُ دَلِيلًا وَاحِدًا وَفِيهِ الْكِفَايَةُ لِإِثْبَاتِ هَذَا الْأَصْلِ...
"وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ".
فَالْأَصْلُ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي نَمْتَلِكُهُ لَا تُقَرِّبُنَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى... لَكِنْ إِذَا أَتَتْ قَرِينَةٌ صَارِفَةٌ أَيْ تَفْصِيلٌ فِي رُؤْيَا يُصْرَفُ التَّفْسِيرُ عَنْ الْأَصْلِ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ فَيَكُونُ تَفْسِيرُ الْمَالِ أَمْرًا حَسَنًا فِي الرُّؤْيَا.... وَأَدِلَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ كَثِيرَةٌ سَنَذْكُرُ وَاحِدًا...
"قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ".
الْآنَ سَنُشْرِحُ عُمُومَاتِ التَّفْسِيرِ الْمُفَصَّلِ وَهِيَ رُءُوسُ نِقَاطٍ فَحَسْبَ...
نَلَاحِظُ مِنْ دَلِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ قَوْلَهُ تَعَالَى: "وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ".
يَعْنِي أَنَّ الرَّائِي إِذَا رَأَى فِي مَنَامِهِ يُصَرِّفُ مَالًا فَهُوَ حَسَنٌ لِدَلَالَةِ كَلِمَةِ أَنْفَقْتُمْ يَعْنِي خُرُوجٌ وَصَرْفُ الْمَالِ أَوْ يَجِدُ مَالًا لِدَلَالَةِ كَلِمَةِ يُخْلِفُهُ...
بَيْنَمَا إِذَا رَأَى الرَّائِي أَنَّ فِي حَوْزَتِهِ مَالًا وَلَمْ يُصَرِّفْهُ أَوْ يَجِدُهُ فِي الْغَالِبِ لَيْسَ بِحَسَنٍ...
لَكِنْ يَجِبُ الْأَخْذُ بِعَيْنِ الِاعْتِبَارِ أَحْوَالَ الرَّائِي وَلَاسِيَّمَا حَالُهُ مَعَ اللَّهِ وَالتِزَامِهِ.
بِدَلِيلِ حَدِيثِ رَسُولِنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ عَلِيَّ ثِيَابِي وَسِلَاحِي، ثُمَّ آتِيَهُ، فَفَعَلْتُ فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَصَعِدَ إِلَيَّ الْبَصَرَ ثُمَّ طَأْطَأَ، ثُمَّ قَالَ: "يَا عَمْرُو، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَكَ عَلَى جَيْشٍ فِيَغْنِمُكُمْ اللَّهُ، وَأُرْغِبُ لَكَ رَغْبَةً مِنْ الْمَالِ صَالِحَةً"، قُلْتُ: إِنِّي لَمْ أُسْلِمْ رَغْبَةً فِي الْمَالِ، إِنَّمَا أَسْلَمْتُ رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ فَأَكُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "يَا عَمْرُو، نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ".
لِذَلِكَ لَا يَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَالٍ يَجِدُهُ الرَّائِي يَكُونُ حَسَنًا وَضِمْنَ الِاسْتِثْنَاءِ...
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ".
أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ فِي رُؤْيَةِ رَائٍ فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ يَشْتَرِي بِالنُّقُودِ... فَهُوَ ضِمْنَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْغَالِبِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ رَسُولِنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأُ: "أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ" [التكاثر:1]. قَالَ: "يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي! مَالِي! وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟!"...
لَكِنَ الضَّابِطَ لِكُلِّ مَا ذَكَرْتُ هُوَ كَمِيَّةُ الْمَالِ... فَإِذَا وَجَدَ الرَّائِي مَالًا كَثِيرًا وَبَدَأَ بِجَمْعِهِ فَهَذَا قَدْ يَدُلُّ عَلَى ضَيْقٍ شَدِيدٍ أَوْ تَقْصِيرٍ وَغَفْلَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ".
وَإِذَا رَأَى الرَّائِي أَنَّهُ يَشْتَرِي سِلَعًا غَالِيَةً وَكَانَتْ مِنْ الزِّينَةِ وَلَيْسَتْ أَسَاسِيَّةً لِمَعِيشَتِهِ فِي الْوَاقِعِ مِثْلَ حُلِيٍّ أَوْ مَلَابِسَ فَاخِرَةٍ مَثَلًا أَوْ حَتَّى طَعَامٍ أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِهِ كَقُوتِ يَوْمٍ... فَهَذَا أَيْضًا يَدُلُّ فِي الْغَالِبِ عَلَى ضَيْقٍ قَادِمٍ لِلرَّائِي وَتَقْصِيرٍ وَغَفْلَةٍ... لِأَنَّهُ مِنْ الْإِسْرَافِ الَّذِي نَهَانَا اللَّهُ عَنْهُ... لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ".
وَلِحَدِيثِ رَسُولِنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ: "أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحَلَ إِلَى فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ وَهُوَ بِمِصْرَ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ. فَقَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ آتِكَ زَائِرًا، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ أَنَا وَأَنْتَ حَدِيثًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَكَ مِنْهُ عِلْمٌ. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا. قَالَ: فَمَا لِي أَرَاكَ شَعِثًا وَأَنْتَ أَمِيرُ الْأَرْضِ؟ ((قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْهَانَا عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْإِرْفَاهِ)).
إِذَا الْمَالُ الْقَلِيلُ فِي الْمَنَامِ الَّذِي يُمْكِنُ عَدُّهُ فِي الْغَالِبِ خَيْرٌ وَحَسَنٌ تَفْسِيرُهُ... سَوَاءٌ كَانَ عِنْدَ الرَّائِي لِأَنَّ قِلَّتَهُ يُصَرِّفُهُ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ أَوْ وَجَدَهُ أَوْ صَرَفَهُ وَاشْتَرَى بِهِ... وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
تعليقات
إرسال تعليق